الصفحة الرئيسة  جوجل الإسلامي  حقيقة الإخوان المسلمين  إذاعة جنود منهاج النبوة

 

العودة   منتديات أنصار الدعوة السلفية منتديــات أخوات أنصار الدعوة السلفية منتديات الاخوات

Loading

 

للإشتراك في أنصار الدعوة السلفية  

البريد الإلكتروني:

http://ia601505.us.archive.org/2/items/4salaf-facebook.gif/4salaf-facebook.gif

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
  #1  
قديم 2 - 10 - 2010, 07:59 AM
حفيدة الصحابة حفيدة الصحابة غير متواجد حالياً
جزاها الله خيرا
 
تاريخ التسجيل: 1 - 10 - 2010
الدولة: دنيا فانية
المشاركات: 327
جديييي سيرة الإمام أحمد بن حنبل ( صاحب المذهب ) سيرة الإمام أحمد بن حنبل ( صاحب المذهب )

الدرس الثاني من دروس دورة عمدة الفقه

سيرة الإمام أحمد بن حنبل ( صاحب المذهب )


بسم الله و الصلاة و السلام على رسول الله سيدنا محمد صلى الله عليه و سلم :

ثم أما بعد :

أيها الأحبة في الله :

كان صلى الله عليه وسلم يوصي في مفتتح خطب الجمعة بتقوى الله عزوجل, و قد سبق أن وصينا في الأسبوع الماضي طالب العلم بتقوى الله جل و علا.
و هي وصية الله للأولين و الآخرين

فيا أيها الأحبة في الله

آية عجيبة في كتاب الله عزوجل استوقفتني و هي قوله تعالى :

( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ ) [آل عمران102]
فطالبَ اللهُ –عز وجل- أن نتقيه على الدوام, وإذا كان الموت لا يدري الإنسان متى يفجأه؛ فيجب عليه أن يستحضر تقوى الله عزوجل دائماً وأبداً لأنه لا يدري متى يفجأه الموت .

بالأمس أيها الأحبة الأثنين توفيت جارة لنا- أسأل الله أن يرحمها بواسع رحمته- فرأينا فجأة الموت

فيا أيها الأحبة في الله؛ خذوا نصيحة أخ لكم يحبكم في الله -عز وجل-, أخ لكم قد جرب هذه الدنيا
رأيت و الله الذي لا إله غيره في هذه الأزمنة المتأخرة فجأة الموت؛ فبينما الإنسان في صحته و قوته إذ عاجلته منيته؛ و فاجأه هادم اللذات؛ فانتقل من هذه الدار إلى دار غير الدار.
انتقل من دار العمل إلى دار الجزاء فأعدوا للأمر عدته, و خذوا للأمر أهبته.
( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ) [ الحشر:18 ]

أحبتي في الله :

هذا هو الدرس الثاني من هذه السلسلة من دروس شرح كتاب عمدة الفقه على مذهب الامام أحمد.

فكان درس الليلة إن شاء الله عز وجل؛ عن الامام أحمد بن حنبل؛ إمام أهل السنة و الجماعة الإمام الفقيه العلم؛ أحد الأئمة الأربعة.
سنتعرف على شئ من حياته, ثم نتعرف على خصائص الفقه الحنبلي, حتى إذا مشينا في الكتاب بعد ذلك يعرف الإنسان كيف كان هذا الحكم وكيف استُنبط.

وما هي أصول المذهب الحنبلي التي يبني عليها أصحاب المذهب الحنبلي خطاهم.
أيها الأحبة في الله :

لقد كان الصحابة رضوان الله تعالى عليهم أجمعين يتلقون الفقه من فم النبي صلى الله عليه وسلم غضاً طرياً.

كانوا يسألونه عن أحكام الدين فيفتيهم, كان النبي صلى الله عليه وسلم يتنزل عليه جبريل بأمر الله بأحكام الشرع فيعلم الصحابة .

ثم إنه صلوات ربي و سلامه عليه لما لحق بالرفيق الأعلى كان الصحابة من بعده هم الأئمة .
الصحابة - العلماء الفقهاء - يعلمون الناس و يفتونهم, أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فيهم تقوى وورع.

فكانت تعرض عليهم الفتوى على كبار الصحابة فيتدافعونها بينهم, هذا يحيل على ذاك, وذلك يحيل على غيره, حتى يعود السؤال من جديد إلى المسئول أولاً لكنه تميز من بين الصحابة عبد الله بن عمر و بن عباس رضي الله عنهما و أيضا عبد الله بن مسعود و عائشة رضي الله عنها تميزوا من بين الصحابة بالفقه .

فكان لعبد الله بن عمر ومن وافقه من الصحابة مدرسة في الفقه؛ ألا و هي التي اصطلح بعد ذلك على تسميتها ( مدرسة الأثر ).

فكان عبد الله بن عمر -رضي الله عنه- ينظر إلى المكان الذي وضع فيه النبي - صلى الله عليه وسلم- قدمه فكان بن عمر رضي الله عنه يضع قدمه مكان النبي - صلى الله عليه وسلم –

سافر النبي - صلى الله عليه وسلم - من المدينة إلى مكة فنزل لقضاء حاجته - فانظر رحمك الله إلى الصحابي الجليل عبد الله بن عمر رضي الله عنه و عن أبيه - حين يسافر بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم فينزل في نفس المكان الذي نزل فيه الإمام و القدوة محمد بن عبد الله عليه صلوات الله و سلامه؛ فيتلمس مكان أقدام النبي - صلى الله عليه وسلم - فيضع قدمه مكان قدم النبي - صلى الله عليه وسلم –

والعجيب أن ابن عمر - رضي الله عنه - ليس له حاجة إلا اتباع النبي - صلى الله عليه وسلم -
ومن أتباع النبي صلوات ربي و سلامه عليه أيضاً عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - لكنه له مدرسة أخرى و التي اصطلح عليها بعد ذلك ( بمدرسة الرأي )

فكان ينظر في الحديث الوارد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فإن صح الحديث أعمله, و إذا لم يصح عنده الحديث فإنه يجتهد رأيه .

أيها الأحبة في الله :

على هاتين المدرستين جاء التابعين بعد ذلك؛ ونشأ من التابعين سبعة أئمة فقهاء هم الفقهاء السبعة وهم يسبقون الأئمة الأربعة زماناً.

و هؤلاء الفقهاء السبعة من مدينة النبي - صلى الله عليه وسلم - منهم ربيعة الرأي شيخ الإمام مالك .

وهؤلاء الفقهاء السبعة اشتهروا بالعلم, وعرفوا بعلم الفقه بين الناس؛ لكن ربيعة الرأي على وجه الخصوص كان عليه سمت و هيبة ووقار.

فلما أرادت أم الإمام مالك أن ترسل مالك وهو صغير ليتعلم العلم ألبسته العمامة وقالت له :
(اذهب إلى مجلس ربيعة فخذ من أدبه قبل علمه هؤلاء الفقهاء السبعة هم مرحلة زمنية بعد عصر الصحابة, ثم من بعد الفقهاء السبعة ظهر الأئمة الأربعة .

أبو حنيفة النعمان الإمام , و مالك بن أنس الإمام, الإمام محمد بن ادريس الشافعي , الإمام أحمد بن حنبل الشيباني.

هؤلاء الأئمة الأربعة فقهاء أهل السنة الذين اشتهروا بالفقه و لهم قدم راسخة في هذا الفقه.

وكل واحد من هذه الأئمة الأربعة زكاه العلماء و أثنوا عليه.

وما أفتى حتى شهد له العشرات من العلماء بأنه أهلٌ أن يفتي و أن يحدث في علم الفقه.

الأئمة الأربعة أكثر المذاهب الفقهية المتبعة على وجه الأرض في الأمة الإسلامية منذ عصرهم, فقد كان أغلبهم في المائة الثانية للهجرة و قبلها بقليل ولد أولهم و هو الإمام أبو حنيفة و بعدها بقليل توفي آخرهم و هو الإمام أحمد بن حنبل الشيباني - رحمه الله تعالى –

هؤلاء الأئمة الأربعة كل واحد منهم له مذهب في الفقه ما قصدوا أن يكونوا أصحاب مذاهب و لكنهم أئمة يبتغون وجه الله تعالى.

بل إن الإمام أبو حنيفة النعمان لما أراده الخليفة أن يعمل في الدولة - أن يكون قاضياً - في الدولة أبى ورفض..

و ضُرب و جُلد - رحمه الله تعالى - و لكنه مع هذا أبى ورفض؛ كان يخشى أن يجعل قوله هو القول المأخوذ به فيسأل عمن اتبعه أمام الله عزوجل يوم لا ينفع مال و لا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم .

أيها الأحبة في الله :

لقد وفق الله عزوجل و قيض لهؤلاء الأئمة الأربعة الفقهاء تلاميذ تلقوا العلم على أيديهم و كتبوا هذا العلم ودونوه و نشروه بين الناس.

و قد كان في زمان الأئمة من هو ذا علم وفقه أيضاً؛ و لكن لم يقيض الله له من يكتب علمه و ينشره كما نشر علم مذاهب الأئمة الأربعة.

منهم على سبيل المثال الإمام ابن جرير الطبري عليه رحمة الله تعالى -صاحب التفسير الكبير الإمام العلم الجليل.

أنه كان صاحب علم و صاحب فقه في الدين .. كان صاحب علم لدرجة أنه قال لتلاميذه يوما ما :

تنشطون لكتابة شئ في تفسير كتاب الله عزوجل ؟؟

فقال الطلبة : في كم ورقة يكون ؟؟!!

عندئذ تعرف دنو الهمة فصاحب الهمة العالية لا يسأل في كم ورقة بل صاحب الهمة العالية حريص على العلم إذا قلت له تعال للعلم أقبل

و أتى لكن هناك من تدعوه إلى دروس العلم فيقول لك مباشرة عند أول كلام : في كم ساعة ؟؟ .. في كم دقيقة ؟؟
أنا لا أستطيع أن أجلس ساعة كاملة أنا لا أستطيع أن أواصل أكثر من نصف ساعة فعندئذ تعرف ضعف الهمة إلا من رحم الله و قليل ما هم-

فقال الإمام الطبري رحمه الله تعالى لتلاميذه يوما ما :
تنشطون لكتابة شئ في تفسير كتاب الله عزوجل؟؟
فقال الطلبة : في كم ورقة يكون ؟؟
قال في أربعين ألف ورقة
قالوا : إذن تفنى الآجال .. تفنى الأعمار .. نكتب أربعين ألف ورقة في تفسير المصحف
فقال الإمام العلم رحمه الله تعالى : إنا لله ماتت الهمم ..

فاختصره في أربعة الآف ورقة

فانظر ..كم حرمت الأمة من علم هذا الإمام لضعف همة الطلاب ودنو همتهم, و الأمر كله لله عزوجل.

فقيض الله للأمة الأربعة الفقهاء أبو حنيفة و مالك و الشافعي و أحمد بن حنبل من ينشر علمهم و يدقق المسائل و يراجع و يبحثها و يصنف .

فانتشرت المذاهب الأربعة بين القاصي و الداني حتى إنك لترى مسلماً في أمريكا مثلا
يقول لك لقد تلقيت الفقه على مذهب مدرسة الإمام أبو حنيفة ومن أدراه و هو في أمريكا في غرب الأرض بمذهب الإمام أبو حنيفة؟؟!!

و آخر يقول تعلمت المذهب على مدرسة الإمام العلم الشافعي, وثالث ورابع؛
وهكذا الأئمة الأربعة رفع الله ذكرهم و أعلى بين العالمين قدرهم.
و إن كنا سنتحدث هذه الليلة إن شاء الله عن رابع الأئمة الأربعة الفقهاء أحمد بن حنبل الشيباني - رحمه الله تعالى - فإننا سنتحدث عنه لأننا سنتدارس شيئا من فقه على مذهبه - رحمه الله تعالى - مع احترامنا و تبجلينا و توقيرنا لأئمة الدين رحمات الله تعالى عليهم أجمعين

أيها الأحبة في الله :

سِيَر الفضلاء و أخبار العلماء النبلاء؛ هي أجلّ من أن تحصى, و أكثر من أن تذكر في درس أو درسين, ولكن يا أحبة حسبنا في هذه الليلة أن نقف على ساحل وعلى شاطئ بحر الإمام العلم الجليل أحمد بن حنبل الشيباني - عليه رحمة الله تعالى - نرتشف رشفات من تلك السيرة العطرة, يراد فيها الاختصار, ولكن فيها ذكر لنشأته و مولده وطلب العلم حتى يكون من يدرس علم الفقه على مذهب الإمام أحمد على دراية بحياة هذا الإمام العلم الجليل

أحمد بن حنبل بن هلال بن أسد الشيباني.

ينتهي نسبه إلى قبيلة عدنانية تلتقي مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في نزار بن معد بن عدنان .
هذا النسب لا يغني عن الإنسان إذا لم يكن قريباً من الله جل وعلا ، فالعبرة بالإيمان والعمل الصالح
قال الله تعالى : {... إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ...} [الحجرات: 13]
لكن علماء السير إنما قصدوا أن ينبهوا إنه من عدنان أصل العرب لأن البعض ظن أن أصله أعجميّ, فأراد كتاب السير أن يثبتوا أنه عربيّ من جهة أمه وأبيه, و إنما الكرامة عند الله عزوجل بالإيمان و العمل الصالح

مولده ونشأته وصفاته :

ـ حملت به أمه بمرو ثم قدمت به بغداد فولدته هناك سنة أربع وستين ومائة للهجرة
و هو آخر الأئمة الأربعة ميلاداً .. ولد الإمام أبو حنيفة النعمان سنة ثمانين للهجرة.

ثم مات آخر الصحابة سنة تسعين للهجرة وهو الإمام أنس بن مالك فولد الإمام مالك رحمه الله تعالى و هو ثاني الفقهاء الأربعة.

ثم سنة مائة و خمسين للهجرة ولد الإمام محمد بن إدريس الشافعي وهي سنة وفاة الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى .

ثم ولد الإمام أحمد سنة مائة و أربع و ستين للهجرة

فلم يعاصر الدولة الأموية وإنما عاصر الدولة العباسية مثله مثل الإمام الشافعي, بعكس الإمام أبوحنيفة والإمام مالك, فهذه الفترة التي ولد الإمام أحمد فيها هي آواخر المائة الثانية للهجرة وعاش إلى سنة مائتان وواحد وأربعين للهجرة, وعندئذ توشك القرون الثلاثة المفضلة أن تنتهي وهي التي قال عنها النبي صلى الله عليه وسلم :
خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم..."

فهي قرون ثلاثة المفضلة و لا تقولون مثلما يقولون العوام الذين يخطئون و يقولون في الحديث النبوي ( خير القرون قرني ) فهذا لم يثبت عن النبي عليه الصلاة و السلام و إنما قال صلوات ربي و سلامه عليه
(( خير الناس قرني ))

الإمام أحمد بن حنبل توجه للعلم منذ كان صغيراً, و هذه هي القاعدة في طلب العلم أن يطلب العلم منذ الصغر.
وهذه هي القاعدة الدائمة في طلب العلم بإسثناءٍ نادرٍ كالإمام أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - فإنه بدأ العلم في العشرينات من عمره ولكنه لم يبدأه منذ الصغر؛ بل كان تاجراً و هذا نادرٌ بين العلماء, وإلا فالعلم يطلب منذ الصغر

ونحن أيها الأحبة عندما نتحدث عن طلب الإمام أحمد بن حنبل للعلم إنما نتحدث عن أمٍّ فاضلة مربية لها من الفضل كأمِّ الشافعي وأمِّ مالك

فأحمد قد نشأ يتيماً كما كان الشافعي من قبله و كذلك الإمام مالك فتولت هؤلاء الأمهات تربية هؤلاء الأئمة, فكل من يتعلم من علم هؤلاء حتى الآن إنما هو في ميزان حسنات هؤلاء الأمهات

ليس اليتيم من مات أبواه وخلفاه في الحياة ذليلا
إنما اليتيم من تـــــراه له أما تخلت أو أبا مشغولا


أمهات تخلين عن التربية وآباء انشغلوا فينشأ جيل ضائع ليس له هدف في الحياة .

أيها الأحبة في الله :

أمٌّ صالحة - نحسبها كذلك والله حسيبها -, كانت تقوم تصلي من الليل فتصلي ما كتب الله لها, ثم توقد النار في ليالي الشتاء الباردة وتضع الماء لتدفئه من أجل أن توقظ أحمد و هو صغير و تقول :
قم يا أحمد فقد اقترب الفجر ..

فيقوم أحمد و هو صغير ليتوضأ في ليالي الشتاء الباردة و يصلي ما كتب الله له ثم يغدو إلى المسجد.
سبحان الله!! ... أمٌّ فاضلة تربي على الدين والخلق, حتى قال الإمام أحمد لما كبر قال من شدة حبه لعلم الحديث :

(كنت أحب أن أذهب إلى المسجد قبل الفجر فتمنعني أمي و تقول : لما يؤذن بعد .. )

طفل صغير مشتاق للعلم يتمنى الذهاب قبل آذان الفجر إلى المسجد فإذا أذّن الآذان فلكم أن تروا الجلال و البهاء على تلك الأم حين تصطحب طفلها وتمضي إلى المسجد و تسلمه للشيخ والأستاذ في حلقة العلم و تجلس هي بعد صلاة الفجر أمام المسجد تستنظر ولدها حتى ينتهي درس العلم ؟!!
أم فاضلة مكافحة, ربت فكافأها الله –عزوجل –
والله عزوجل و جل يقول :{أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ } [ القلم35 ]

فالأم التي تريد الراحة و الدّعّة؛ وتلقى بهم إلى الشوارع والطرقات أتكون هذه كالأم التي ربت لنا إمام كالأمام مالك و الإمام الشافعي و الإمام أحمد رحمهم الله جميعا ؟؟!!

أمٌّ فاضلة أيها الأحبة, وقد سبق قبل حوالي ست سنوات تقريبا وذكرت لأخوانكم في إمارة الشارقة عن أمٍ عرفتها رزقها الله بتسع من البنات قالت لي :
والله يا شيخ سبعة منهن تحفظن القرآن كاملاً و أثنان في طريقهم للحفظ

غالب ظني أنهن قد ختمن الآن, فمن أين تجد الأم وقت لتسع بنات قالت :

يا شيخ أذهب للمطبخ لعمل الغداء و أنا اشتغل بالطبخ و البنت الكبيرة تقرأ من المصحف حتى إذا انتهت أغلقت المصحف و سمعت من بعدها أختها ثم أختها حتى يأتي دور البنت الصغيرة التي لا تعرف القراءة فأنا أطبخ و أقرأ القرآن و البنت الصغيرة تردد خلفي .. الله أكبر
{أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (35) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ } [ القلم 35-36] ..

أفيكون جزاء تلك الأم المكافحة كالتي تخلت عن التربية و التنشئة؟؟!!

أمٌّ مكافحة ربت ابنها أحمد بن حنبل على الدين والخلق, فحفظ القرآن منذ كان صغيراً؛ ثم كان الولد الذكي كان يظهر على وجهه علامات الذكاء والنبوغ فوفقه الله في حفظ السنة, و برز في حفظ السنة و الذب عنها حتى صار إمام المحدثين -رحمه الله تعالى-

و كان الإمام أحمد في أول حياته قد أراد أن يجلس للعلم فجلس في مجلس الإمام أبو يوسف تلميذ أبو حنيفة رحم الله الجميع و الامام أبو يوسف ماذا يُدرس ؟؟
الفقه ..
فجلس في مجلس الامام أبو يوسف يتعلم علم الفقه, لكن نفسه كانت تتوق لحفظ سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - فاشتغل بحفظ السنة و بدأ رحلته في حفظ الحديث سنة 179 هـ وكان عمره وقتها خمس عشرة سنة
فتوجه لحفظ سنة النبي - صلى الله عليه وسلم -

ثم بعدها بسبع سنين أي كان عمره 22 سنة بدأ رحلة خارج العراق فرحل للبصرة, ثم للحجاز, ثم لليمن, ثم للكوفة, ثم للشام؛ كل هذا يطلب العلم على يد أكابر العلماء في البلدان حتى منَّ الله عليه بحفظ ألف ألف حديث ( مليون حديث)

يقول أبو زرعة الإمام و هو من أئمة الحديث يقول لابن الإمام أحمد :

أبوك يحفظ ألف ألف حديث .. قال ابن الإمام أحمد لأبي زرعة : و كيف عرفت ؟؟ .. قال كنت أذاكر عليه الأبواب )

الإمام أحمد مسنده الذي جمع فيه شئ كبير من السنة فيه أكثر من 40 ألف حديث؛طبعا ليس كلها صحيحة بل فيها الصحيح و الحسن و الضعيف و لكن ليس فيها حديث موضوع
وهذه الأربعين ألفا اختارها من ألف ألف ضمنه لمسنده .

الإمام أحمد - رحمه الله تعالى - كان يرحل في طلب العلم كما ذكرت وسنّه 15 إلى 22 سنة, وما جلس الإمام أحمد لتعليم الناس إلا عندما أتمّ الأربعين من عمره ..

إذن مسيرة طويلة من طلب العلم حتى ذكر هذا الإمام بن الجوزي رحمه الله تعالى : أن الامام أحمد لم يجلس لتعليم الناس إلا بعد أن أتم الأربعين ..




فانظر إليه و هو في الثلاثينات من عمره شيخ كبير, وعالم يتلقى ميراث النبوة منذ أكثر من 20 سنة من حياته ثم عنده من العلم ومع ذلك يعيش طالب علم لا يترفع على المشايخ

حتى ذكر الإمام خلف و هو من أئمة الحديث و هو تلميذ الإمام أبو عوانة و هو من أئمة علم الحديث قال :
"جاءني ابن حنبل يطلب العلم فمن اجلال الامام خلف للإمام أحمد بن حنبل أراد أن يقرب الامام أحمد و يجعل له مجلس خاص به و يدنيه فقال :
اجتهدت قدر وسعي كي أرفعه( أي اجعله في مكان لائق به ) إلا أبى و قال : لا ...إلا أن أجلس بين يديك أمرنا أن نتواضع لعلمائنا

بهذا يُنال العلم, فلذا عندما جلس الإمام أحمد وهو عمره أربعين سنة يعلم الناس ويحدثهم و يفتيهم؛ كان على مجلسه الهيبة والوقار, وكان يكثر في مجلسه من ذكر النبي - عليه الصلاة و السلام و الصلاة- و هذا من سمت درس الإمام أحمد رحمه الله تعالى

أيها الأحبة في الله :

نقف الآن مع ابتلاءه في ذات الله

لقد ابتلى الإمام أحمد في الله – عزوجل - و قلّما تجد إماماً من الأئمة وعالماً من العلماء الكبار إلا وقد مر بمحنة في حياته و شدة .. و كيف لا ..
ونبي الأمة - صلوات ربي و سلامه عليه - يوعك كما يوعك الرجلان, يقال عنه ساحر وكاهن ومجنون, ويسلط عليه السفهاء يرمونه بالحجارة
- بأبي هو و أمي صلوات ربي و سلامه عليه - ..

فإنه يا أخي و يا حبيبي في الله؛ قلما نجد إماماً من الأئمة إلا و نرى له ابتلاء و صبرا عجيبا في ذات الله و كيف لا والنبي صلى الله عليه و سلم هو القائل :
ما بعث الله نبياً إلا رعى الغنم ..." .. فالأنبياء يرعوا الغنم من أجل أن يرعوا الأمم .. يتعلمون الصبر و يبتلوا بالمحن حتى إن الله صلوات ربي و سلامه عليه نزلت به الحمى فيدخل الرجل فيضع يده من فوق اللحاف فيجد حرارة النبي صلى الله عليه وسلم من فوق اللحاف فيقول : يا رسول الله إنك توعك كما يوعك الرجلان .

يقول صلى الله عليه وسلم : "ذلك أن لي أجر رجلين"صلوات ربي وسلامه عليه ..

فالإمام ابن حنبل -رحمه الله تعالى - قد ابتلى في ذات الله, وكانت عقيدة الدولة الأموية ومن بعدها الدولة العباسية في أولها على عقيدة أهل السنة والجماعة؛ حتى إن أهل البدع كانوا ينقمعون ..

لما يكون هناك دولة و قوة و سلطان لأهل السنة أهل البدعة ينقمعون و كذا كانت الدولة الأموية و الدولة العباسية من بعدها في أولها حتى إن هارون الرشيد قال :
بلغني أن ( بشر المريسي ) صاحب البدعة الشهيرة التي كانت سبباً لابتلاء الإمام أحمد بن حنبل و هي خلق القرآن ..

يقول هارون الرشيد بلغني أن بشر بن غياث المريسي يقول إن القرآن مخلوق
ولله علي لو أن الله أظفرني به لقتلته قتله ما قتلتها لأحد

والآن نشرح بطريقة مبسطة ما مشكلة خلق القرآن .. لأن كثير من الناس لا يعرفون ما هي المشكلة أن القرآن مخلوق ؟؟!!!

أحبتي في الله :

عقيدة أهل السنة و الجماعة أن القرآنه كلام الله عزوجل ..
قال الله تعالى (وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللّهِ ...) [ التوبة: 6 ]

قال تعالى : { ... وَكَلَّمَ اللّهُ مُوسَى تَكْلِيماً } [ النساء 164 ]

لكن أهل البدع جاءهم الشيطان من حيث يريدون تعظيم الرحمن قالوا :
إذا قلنا أن الله يتكلم إذن هو في حاجة للكلام و إذا كان الخالق بحاجة للمخلوق فكيف يكون هذا ؟؟
و قالوا : إذا تكلم الله فمعناه أنه يشبه البشر و هذا ضلال مبين لأن الله عزوجل ليس كمثله شئ و هو السميع البصير
و أنا أتكلم و أنت تتكلم و القطة تتكلم فهل أنت قطة ؟؟!!

ما وجه التشبيه بين أن القطة تتكلم و أنت تتكلم فما معناه أن تقول أن كلام الله يشبه المخلوق ؟؟!!
لا يا عبد الله
بل كلام الله صفة له عزوجل لا يشبه فيها أحدا من خلقه قال تعالى :
{ ... وَكَلَّمَ اللّهُ مُوسَى تَكْلِيماً }..

ثم أن الجهمية ثم من بعدهم المعتزلة أنكروا هذا و أرادوا أن يحرفوا تشكيل ( و كلم الله ) أرادوا أن يجعلوها منصوبة بدلا من أن تكون مرفوعة
و ذهبوا للإمام ابن عمرو - من القراء السبعة صاحب القراءة السبعية –

وقالوا له :
يا إمام غير التشكيل ؟؟ .. إذا قلنا ( و كلم الله موسى ) فإن موسى كلم الله و لكن الآية غير ذلك ( و كلم الله ) بضم الهاء فالله هو الذي تكلم فارادوا تحريف التشكيل قالوا غيره
فقال لهم : ( يا معشر المبتدع لو أني غيرته ماذا تعملون بالآية الأخرى : {وَلَمَّا جَاء مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ ...}الأعراف143

فانقلبوا خاسرين..

فالمبتدعة يريدون تحريف كلام الله ولهم قصد في البداية قد يظنه البعض جميل و هو تنزيه الله .
فانظر إلى من أراد تنزيه الله بالعقل كيف انحطّ, و من يريد تنزيه الله بالشرع كيف يرتفع :
{وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللّهِ ...}


كانت الدولة على هذا حتى عصر هارون الرشيد, ثم في عهد لمأمون بدأ أهل البدعة ينشطون و يزينون للخليفة القول بالبدع .. قالوا للخليفة اختبر العلماء
فيسألهم : القرآن كلام الله أم مخلوق ؟؟ ..

إذا قال كلام الله يدخل السجن ...

فبدأ باختبار العلماء والتضيق عليهم فكان أول من اختبر وابتلى في هذا إمام من الأئمة اسمه ( عفان بن مسلم )

كان هذا الإمام ممن ابتلى بالقول في خلق القرآن فاستدعاه الأمير و قال يا عفان ماذا تقول في القرآن :
قال القرآن كلام الله .. قال لقد أمر الخليفة إذا قلت القرآن كلام الله سيمنع عنك العطاء .. لا يوجد راتب .. سيقطع عنك الراتب
فإمام قوي من أهل السنة قطع زرار قميصه ورمي به أما الأمير و قال :
( أيها الأمير تهددني بقطع رزقي و الله يقول ( وَفِي السَّمَاء رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ }[الذاريات 22]


والله لقطع رزقي أهون من قطع زر القميص .. فقطع الأمير عنه الرزق
وقد دون أئمة أهل السنة أنه لما عاد إلى بيته وزوجته و أولاده قالوا لماذا فعلت ؟؟ سيقطعون عنا الراتب .. فتلى عليهم هذه الآية :
وَفِي السَّمَاء رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ }.. فدق الباب و على الباب رجل سمان أو زيات أي يعمل في الزيت و قال :
يا أبا عثمان ثبتك الله كما ثبت الإسلام هذه ألف تصل عند كل أول شهر

فظل الأئمة رحمهم الله تعالى يثبتون أما محنة خلق القرآن فثبت في المحنة أربعة :
أحمد بن حنبل
محمد بن نوح
عبيد الله بن عمرو القواريري
الحسن بن حماد


ثم ظلوا يختبرونهم حتى بقى الإمام أحمد بن حنبل ومحمد بن نوح, فأرسل الخليفة إلى صاحب الشرطة أن أرسلهما إلي فحمل الإمام أحمد بن حنبل مقيد بالسلاسل و كذا الإمام محمد بن نوح


وفي الطريق يمر رجل و يرى رجلين مقيدان بالسلاسل فيقول : أيكم أحمد بن حنبل ؟؟ ..
فقال أحمد: أنا هو ..

فقال هذا الرجل للإمام : - و سبحان الله أسمع أنا هذا في دنيا الناس كلمة من إنسان بسيط لا هو دكتور في جامعة و لا فيلسوف و لا أستاذ و إنما إنسان عادي يقول كلمة تؤثر في الإنسان –
قال هذا الرجل : يا أحمد أنت رأس الإسلام اليوم يا أحمد إن مت مت شهيدا و إن عشت عشت حميدا فاثبت يا أحمد ..
قال الإمام : فوقعت تلك الكلمة في قلبي.

وفي الطريق يختلي محمد بن نوح بالإمام أحمد فيوصيه بالصبر والثبات؛ ثم يقدر الله وفاة محمد بن نوح, ويبقى الامام أحمد وحده؛ ولهذا سمى إمام أهل السنة لأنه ثبت في المحنة وحده فكان الامام أحمد يصلي من الليل ما كتب الله له أن يصلي, ثم يدعو الله عزوجل ألا يجمع بينه و بين المأمون

.. دعوات الليل و ما أدراكم ما دعوات الليل ..
سهام الليل لا تخطي و لكنها لها أمد و للأمد انقضاء

سبحان الله دونت كتب السير بالسند الصحيح أن الإمام بن حنبل رحمه الله و هو في الطريق إلى الخليفة المأمون مقيد بالسلاسل, أمر الله ملك الموت أن ينزل للخليفة المأمون فيقبض روحه, ويموت الخليفة المأمون ويحقق الله دعوة الإمام أحمد في ألا يجمع بينه و بين المأمون

ثم ولى الخلافة المعتصم؛ فكان يرسل رجلين من المعتزلة للإمام أحمد في سجنه فيناظرناه من أجل أن يقنعاه بألا يقول أن القرآن كلام الله, وكان الإمام أحمد يناظرهم ويبهتهم؛ فيعودون للمعتصم ويقولان إنهم لا يقووا على مناظرته.

وفي يوم استدعاه المعتصم و قال يا أحمد ادنُ مني..
فجعل يقربه حتى أدناه منه و قال : يا أحمد إني والله عليك لشفيق شفقتي على هارون ابني..

قال الإمام أحمد للخليفة: تأذنون لي في الكلام ؟
قال تكلم يا أحمد ..
قال الإمام أحمد : إلى ماذا دعى رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟؟

يقصد من سؤاله أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يدعُ لخلق القرآن فالنبي كان يدعو للإسلام و أنتم تدعون الناس بالقول بخلق القرآن
فقال الخليفة : يا أحمد كلمة قل كلمة واحدة تنجُ بها
قال الإمام أحمد : أعطوني آية من كتاب الله أو حديثا من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم كي أقول به
قال الخليفة و ماذا.. القرآن كلام الله .. قال تعالى { الرَّحْمَنُ{1} عَلَّمَ الْقُرْآنَ{2}

و لم يقل الرحمن علم مخلوق القرآن
فعلى صوت أهل البدع اقتلوه ..

فانظر جرأتهم على الدماء و أهل السنة أحرى الناس على الدماء و الأعراض أما أهل البدع فلا يبالون حتى إن أحمد بن دوآد قال : يا أمير المؤمنين اقتله و دمه في رقبتي
و الخليفة المعتصم لايريد أن يسفك هذا الدم و الحمد لله أن الخليفة بهذه النظرة
و هنا فائدة :
أن البطانة تؤثر أيما تأثير, كيف لا و قد ثبت عن النبي - وصلى الله عليه وسلم - في صحيح البخاري أنه قال :
ما بعث الله من نبي و لا استخلف من خليفة إلا جعل له بطانتان بطانة تأمره بالخير و تحثه عليه و بطانة تأمره بالشر و تحثه عليه فالمعصوم من عصم الله"

فإدارة المسجد مثلا هنا لها بطانة وكذلك كل نبي وكل خليفة وكل إدارة حولها بطانة للخير وبطانة للشر فقد يريد الإنسان في ظاهره الخير ولكنه في نفسه ينوي الشر, ولكنه بقدر الله أن يقع مع بطانة السوء فيعمل بالشر والسوء قاده عمله وأوثقته نيته ..

فقال الخليفة : خذوه للسجن و في السجن أرسل له من يناظره مرة أخرى فانتصر الإمام عليه في ليلة قوية المناظرة فدعاه الخليفة في الليلة التالية و الجموع محتشدة و النطع مبسوط ( النطع فرش يفرش على الأرض )

و السياف قائم, والجلاد موجود, والحشود محتشدة,
والخليفة ينادي على الإمام أحمد :
ماذا تقول يا أحمد : يقول (أقول أن القرآن كلام الله)

فصاحت الجموع اقتله فقال الخليفة أين الجلاد فقال هذا
فقال الخليفة للجلاد تقدم و جيئ بالإمام أحمد وربط بحبلين جديدين لقوة الربط.
ثم قال الخليفة للجلاد : شدّ عليه قطع الله يدك؛ فضربه السوط الأول
فقال الإمام : بسم الله ..
فضربه الثاني ... فقال : لا حول و لا قوة إلا بالله

فقال الخليفة : أين الجلاد الآخر فجعل كل جلاد يقول له الخليفة شدّ عليه؛ قطع الله يدك فيضربه سوطين؛ حتى استنفذ كل قوة .

حتى إن أحد الجلادين لما تاب بعد ذلك قال :لقد جلدت الامام أحمد جلدة لو ضربتها لفيل لخر على الأرض ..

و العجيب أيها الأحبة أن الإمام العظيم قد سامح كل هؤلاء, بعد أن خرج من السجن - إلا أهل البدع قد وكل أمرهم إلى الله عزوجل - و أما كل هؤلاء الذين جلدوه و عذبوه و ضربوه قد سامحهم ابتغاء مرضاة الله .

فجعل الخليفة يقول للجلاد شدّ عليه قطع الله يدك؛ حتى جلد السوط التاسع عشر, فسقط على الأرض فداسوه بأقدامهم, فأتى إنسان بالماء فأفاق الإمام أحمد من الإغماء و هو يقول لهم : لا .. لا

(تدرون لما رفض الماء ؟؟ ))

قال : أريد أن ألقى ألقى الله أنا صائم ..

ثم أمر به الخليفة مرة أخرى إلى السجن, وهناك بقى عدة أشهر حتى مات المعتصم وولى الواثق, وجاء شيخ من أهل السنة فناظر أهل البدعة وأسكتهم أمام الخليفة.

ورفعت المحنة جزئياً حتى مات الواثق؛ فعاد الأمر لأهل السنة و نصر الله أهل السنة, وخرج الإمام أحمد - رحمه الله تعالى - من سجنه ممسكاً بقيوده و أغلاله يريد أن يلقى بها الله وهي معه, حتى حمل الإمام أحمد على دابته, فكان إذا لمسه إنسان من آثار التعذيب والجروح الغائرة داخل الجسد فكان يتألم إذا حمله إنسان ليضعه على الدابة
وخرج الامام أحمد ليواصل زهده وورعه في هذه الدنيا حتى قال عبد الله بن الإمام أحمد أن أباه لما خرج من السجن كان يصلي في كل ليلة 100 ركعة بدلا من 300 ركعة كان يصليها قبل التعذيب

شئ من زهده وورعه رحمه الله :

قال عنه إبراهيم بن شماس :
كنت أرى أحمد بن حنبل وهو يحيي الليل وهو غلام

وأيضاً مما هو مأثور عنه في سيرة هذا الإمام العلم أنه كان له ختمة للقرآن كل سبع أيام, وكان يدعو في السحر لست من الناس بأسمائهم منهم محمد بن إدريس الشافعي
فالشافعي له مع الإمام أحمد صولات و جولات, فكل منهما قد أخذ عن الآخر, وكان بينهما حب و تقدير.
حتى خرج الشافعي من بغداد و قال : (خرجت من بغداد و ما تركت فيها أفضل و لا أورع من أحمد بن حنبل)
الإمام الشافعي لما قيل له سيزورك الإمام أحمد
نظم بيتين قال فيهما :
قالوا يزورك أحمد و تـزوره قلت الفضائل لا تفارق منزلــه
إن زارني فلفضلـــه أو زرته فلفضله فالفضل في الحالين له


وهذا من كرم الإمام الشافعي و أما الإمام أحمد فيقول : ما استطعت أن أمدّ قدميّ تجاة بيت الإمام الشافعي و بيني و بينه ثلاث طرق أي ثلاث شوارع

وأيضا لما ذهب الإمام أحمد الحجاز وفي رحلته لطلب العلم وهناك لقى الشافعي فمن فرح الامام الشافعي بالإمام أحمد قال الشافعي لأحد أصحابه :أريك رجلا لم ترى عينك قط مثله
أراه الإمام أحمد بن حنبل ..

حبٌ متبادل و تقديرٌ بين الإمامين العلمين الجليلين الشافعي و ابن حنبل

ومن ورع الإمام أحمد بن حنبل أنه كان يرفض عطية الحاكم و كان يراه إماما للمسلمين, ويلتزم له بالسمع والطاعة ولم يكن عدم أخذه للعطية لأنه يراه غير مسلم بل كان يراه مسلماً و يدعو له وهذا مأثور ومنشور في كتب الحنابلة دعوة الامام أحمد للحاكم بالصلاح لأن الحاكم رأس الصلاح إن صلح صلح الناس فكان يدعو له
ومن زهده وورعه كان لا يقبل الهدية ..

و قبول هدية الحاكم السلف فيها على قولين :

فمن العلماء والأئمة من قبل العطية والهدية لأنها كهدية تقبل وقد جاء الشرع بقبول الهدية والعطية رجاء أن يصلح الله الحاكم.

ومنهم من رفضها خوفاً على دينه ولكي لا يجامل في الدين ولهذا لما ذهب أحد الخلفاء لمكة وقال دلوني على واعظ يعظني فيرق قلبي .. فكلما أتوه بواعظ وعظه لم يشف غليل قلبه حتى أخذوه إلى أحد التابعين فسلم عليه فقال التابعي :
(يد ناعمة لو نجت من عذاب الله )

فوعظ الخليفة فأثر عليه فأهداه الخليفة شئ من حطام الدنيا فرفضه
وهذا اتجاه لبعض علماء السلف, وكل منهما على خير ولا شك أن تقبل الهدية اتباع للسنة ورجاء للصلاح بشرط ألا يؤثر هذا على الدين فهنا لا بأس.

و لذا مسألة (( حكم قبول القاضي للهدية )) المذهب الوسط في هذا

( أنه لو كان يهدى للقاضي من قبل أن يكون قاضيا فيجوز له قبول الهدية و إن لم يكن إذا وراء الأمر ما وراءه )

هذا مذهب الإمام أحمد أنه رفض عطية الحاكم حتى إنه كان إذا خبز في بيته خبز يسأل في أي تنور ؟؟
لأن في البيت تنور آخر لصالح ابنه و صالح قبل العطية فكان الامام إذا علم أن هذا الخبز من تنور صالح لا يأكل منه رحمه الله عليه و هذا من تقواه وزهده وورعه


تعظيمه للسنة :

كان الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى يعظم سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - كسائر علماء الفقه والأئمة الأربعة كانوا يقولون :
( إن صح الحديث فهو مذهبي ) .. و لكن الإمام أحمد كان له خاصية أخرى أنه تربى على منهج أهل الحديث, وحفظ الحديث فكان يكثرفي درسه وحديثه من ذكر الصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم-


ثناء العلماء عليه :

قال أبو ثور :
لو أن رجلاً قال إن أحمد بن حنبل من أهل الجنة ما عنف هذا

وهذا من أقوى ما قيل وهو منهج لبعض العلماء .. هل يجوز الشهادة لإنسان بالجنة من المسلمين ؟؟

فالعلماء لهم في هذا أقوال :
منهم من قال نشهد لمن شهد لهم النبي - صلى الله عليه وسلم - من الخلفاء الأربعة و بقية العشر المبشرين بالجنة
منهم من قال بل نشهد لمن شهد له المسلمون لأن النبي - صلى الله عليه وسلم قال : " أنتم شهداء الله في الأرض "(4)

ومنهم من قال لا نشهد لأحد أبدا بالجنة أو النار فالله هو أعلم

ومن ثناء العلماء أيضا :

قول أبو زرعة عالم الحديث :

أن الإمام أحمد يحفظ ألف ألف حديث قال له ابن الإمام أحمد كيف عرفت ؟؟ .. قال : كنت أدارس عليه الأبواب

وقال عبد الرزاق بن همام الصنعاني العالم الشهير الذي أراد الإمام أحمد أن يرحل له في اليمن فلقاه في مكة قال :
ما رأيت أفقه و لا اورع من الامام أحمد بن حنبل

و قال يحيى بن سعيد القطان من علماء الحديث :
ماقدم علي أحد مثل أحمد

قال يحيى بن معين :
أرادوا الناس أن يكونوا مثل أحمد بن حنبل لا و الله لا نقوى على ما يقوى عليه أحمد و لا طريقة أحمد ( يعني لأن مقامه عالٍ )

والإمام الشافعي قال مقولته الشهيرة :
خرجت من بغداد فما خلفت فيها رجل أفضل و لا أفقه و لا أورع من أحمد بن حنبل


ذكر وفاته :

في شهر ربيع الأول سنة إحدى وأربعين ومائتين من الهجرة مرض الإمام أحمد, ثم لما خلت 12 ليلة من شهر ربيع الأول توفى الإمام أحمد بن حنبل, وكانت جنازته يوم الجمعة وكان يوما مشهوداً و كان أحمد بن حنبل يقول لمخالفيه (بيننا و بينكم يوم الجنائز).

لأن الإنسان في حياته قد يحسب الإنسان له حساب لكن بعد وفاته انتهى الأمر
فكذلك الإمام أحمد قد ذكر كتاب السير أنهم قد أحصوا من صلى على الإمام في ذلك الوقت فوجدوا قرابة ألف ألف أي مليون .. و المليون في ذلك الوقت عدد كبير جداً.

وبعضهم قال 800 ألف و بعضهم قال أكثر و حتى أني قرأت أن بعضهم قال أنه قرابة 700 ألف و ألف ألف
والقول الوسط هو أنهم حضروا ألف ألف و لهذا صلوا عليه صلاة الجنازة 3 مرات.
لما وضعوا الجنازة صلوا عليه خلق كثير, فلما وصلوا للمقبرة كانت جموع غفيرة قد حضرت للمقبرة و لم تصل على الجنازة فوضعوا الجنازة ليصلى عليها قبل دخول القبر فصلوا عليه للمرة الثانية, فلما وضعوه في القبر كانت حشودا كبيرة قد حضرت فصلوا عليه داخل قبره للمرة الثالثة.

أيها الأحبة يبقى معنا أصول المذهب الحنبلي أرجأها للدرس القادم إن شاء الله تعالى
وصلى اللهم وسلم وبارك على عبده و نبيه محمد و سلم تسليما كثيرا .

~~~~~~~

لمن أراد تحميل الدرس :

لتحميل الملف بصيغةword

اضغط هنا

رد مع اقتباس
إضافة رد

الكلمات الدلالية (Tags)
محمد, المذهب, الإمام, بن, حنبل, سادة, سيرة


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 2 ( الأعضاء 0 والزوار 2)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع


http://www.4salaf.com/images/aa.PNG

Powered by vBulletin® Version 3.8.6
Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd.
new notificatio by 9adq_ala7sas
Protected by CBACK.de CrackerTracker

a.d - i.s.s.w

حياكم الله فى منتديات أنصار الدعوة السلفية